الرد على شبهة الوائدة والموءودة في النار
لا يصح فهم حديث "الوائدة والموءودة في النار" على أنه قاعدة عامة بأن كل طفلة تُوأد تدخل النار. فعند جمع طرق الرواية والنظر في سياقها، يتبين أن الحديث ورد في سياق حادثة معينة: امرأة وأدت أختا لهم في الجاهلية، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فجاء الجواب متعلقا بهذه الواقعة، وليس حكما عاما على كل موءودة.
والقرآن يقرر أصلا واضحا في العدل، قال تعالى:
"قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (الأنعام: 164)
وقال عن الموءودة:
"وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَتْ" (التكوير: 8-9)
فالآية تبين أن الموءودة مظلومة، وأن السؤال عنها إظهار لجريمة من قتلها، وليس اتهاما لها بذنب.
وأما حديث "الوائدة والموءودة في النار"، فليس فيه أن الموءودة كانت صغيرة أو لم تبلغ؛ فلعلها وئدت بعد بلوغها سن التكليف وكانت كافرة. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في "أحكام أهل الذمة" هذا الاحتمال، وبين أن الحديث نفسه لا يثبت منه كون الموءودة غير بالغة.
وعلى الاحتمال الآخر، لو كانت الموءودة صغيرة، فيمكن حمل حالها على ما وقع في قصة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام، حيث علم الله سبحانه ما كان سيؤول إليه حاله لو عاش، قال تعالى:
"وَأَمَّا ٱلْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا" (الكهف: 80)
فالمعنى حينئذ ليس أنها عوقبت على ذنب لم ترتكبه، وإنما أن الله سبحانه علم ما كان سيؤول إليه أمرها لو عاشت.
فالمسألة لا تخرج عن احتمالين: إما أن الموءودة كانت قد بلغت سن التكليف حين وئدت وكانت كافرة، وإما أن تكون صغيرة، فيكون حالها من جنس قصة الغلام، حيث علم الله ما كان سيؤول إليه أمره لو عاش.
ويضاف إلى ذلك أن الحديث قد تكلم أهل العلم في ثبوته، فضعفه بعضهم أو ضعف بعض طرقه. لكن حتى على فرض صحة الحديث وثبوته، فلا إشكال فيه كما بينا.
جاء في الرواية:
"أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، أخبرنا عن أم لنا ماتت في الجاهلية كانت تصل الرحم وتفعل وتفعل... هل ينفعها ذلك؟ قال: لا، قال: فإنها وأدت أختا لنا في الجاهلية، فهل ينفع ذلك أختنا؟ قال: لا، الوائدة والموؤودة في النار إلا أن يدرك [الوائدة] الإسلام فتسلم. فلما رأى ما دخل علينا قال: وأمي مع أمكما" (معجم الشيوخ 2/903)
والسياق هنا واضح: الإخوة يسألون عن مصير أمهم، ثم يسألون عن مصير أختهم وهل يشف عليهم شيء مما ذكر في الحديث. فأما الأم، فذكروا أنها كانت تفعل بعض أعمال الخير من صلة الرحم وغيرها، لكن ذلك لم ينفعها لأنها ماتت على الكفر؛ إذ لا تنفع الأعمال الصالحة صاحبها مع الكفر إذا مات عليه.
ثم سألوا عن مصير أختهم: هل ينفعها كونها قد ظلمت وقتلت وهل يشفع لها ذلك بدخول الجنة؟ فجاء الجواب في سياق هذه الواقعة بعينها بأنه لن يدخلها الظلم الذي وقع عليها إلى الجنة.