شبهة إرضاع الكبير

الرد المختصر

رضاعة الكبير كانت استثناء لبقاء سالم مع أسرته بالتبني بعد تحريم التبني. تم الرضاع عبر إناء وليس من ثدي مباشرة، إذ لا يجوز لمس أو رؤية العورة في الإسلام.

الرد المفصل

رضاعة الكبير بالإناء استثناء عند نزول آية تحريم التبني، كي لا يُرمى الأولاد المتبنون في الشارع وينكسر قلب أمهم بالتبني التي ربتهم، فقد أصبحوا لا يستطيعون حتى رؤية شعر أمهم بالتبني ولا العيش معها.

أبو حذيفة وزوجته سهلة كانا قد تبنيا سالما، فلما نزلت آية تحريم التبني أصبح لا يمكن لسالم أن يعيش معهم ولا أن يرى حتى شعر أمه بالتبني، وكان لا يزال يعيش معهم.

وكان أبو حذيفة ينزعج من عيش سالم معهم، لأنه لا يجوز أن يرى حتى شعر زوجته بعد تحريم التبني. فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ترضعه ليصبح ابنها بالرضاعة، وذلك استثناء في هذه الواقعة.

والرضاعة كانت بالإناء، ولم يقل: افتحي صدرك. فالمشكلة من الأساس أنه لا يستطيع الدخول عليها ورؤية حتى شعرها، لأن المرأة في الإسلام يجب أن تتحجب، والرجل يجب أن يغض بصره.

جاء في رواية ابن سعد في الطبقات وفيها الواقدي:

"قال كانت سهلة تحلب في مسعط أو إناء قدر رضعته فيشربه سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام" (ابن سعد في الطبقات)

فالمهم في الرضاعة أن يشرب الحليب بأي طريقة حلال. أما مص الثدي ورؤية العورة فليس حلالا، وإنما تكون الرضاعة بصب الحليب في إناء ثم يشربه.

وكلمة رضاعة لا تطلق فقط على التقام الثدي، فنحن مثلا نسمي رضاعة الطفل الحليب من الزجاجة رضاعة وهو لم يلتقم الثدي. فالفكرة هي شرب الحليب. كما أن الزوجة يمكن أن تقول لزوجها: أرضع ابنك، أي سقِه الحليب، وليس أن يلتقم ثديه.

والقاعدة الفقهية هي رد المتشابه إلى المحكم، كما في قول الله تعالى:

"هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ" (آل عمران: 7)

فكما لا يمكن تفسير "وأقيموا الصلاة" على أنها صلاة للأصنام لوجود آيات محكمة، لا يمكن القول بالتقام الثدي مع أوامر الستر وتحريم النظر واللمس. كما أن الحديث لا يتضمن: دعيه يلتقم ثديك.

اجتهاد عائشة رضي الله عنها

اجتهدت عائشة رضي الله عنها في مسألة رضاع الكبير استنادا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع سهلة بنت سهيل بشأن رضاع سالم، واعتقدت أن الحكم عام. لذا كانت تأمر بنات أخواتها بإرضاع من أرادت أن يدخل عليها لغرض التعلم، كونها من أفقه نساء الأمة. لكنها لم ترضع أحدا بنفسها لأنها لم تكن أما.

وأما العلماء الآخرون، مثل أم سلمة رضي الله عنها، فرأوا أن الحديث خاص بسالم فقط. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إنما الرضاعة من المجاعة" (رواه البخاري)

ومعناه أن الرضاعة التي تثبت المحرمية هي للصغير المحتاج للحليب.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (رواه البخاري)

فاجتهاد عائشة كان بنية صادقة ولها أجره رغم خطئه في هذه المسألة على قول الجمهور.

والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم في تبليغ الوحي، أما اجتهاد الصحابة فهو بشري، قد يصيب أو يخطئ، مع أجر الاجتهاد.

You may also like...